#1  
قديم 06-13-2016, 05:47 AM
ياسرحباب ياسرحباب غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Nov 2013
المشاركات: 78
Lightbulb التجديد في الفكر الإسلامي


الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي
بحث مقدم إلى المؤتمر العام الثالث عشر الذي عقده المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في القاهرة
من 31 أيار إلى 3 حزيران 2001 تحت عنوان

(التجديد في الفكر الإسلامي)
الإسلام بين التجديد المطلوب والتبديل المرفوض



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد:

فقد روى أبو داود والبيهقي والحاكم في مستدركه، من حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها)).

وروى مالك في موطئه، ومسلم في صحيحه، من حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلّم على أهل البقيع، ثم قال: وددت لو أني رأيت إخواننا. إلى أن قال: ((ألا ليذادنَّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال. فأقول: ألا هلمّ، ألا هلمّ، فيقال: إنك لاتدري كم بدّلوا من بعدك، فأقول: فسحقاً فسحقاً فسحقاً...)).

إذن، فتجديد الدين مشروع ومأمور به. وهي واحدة من المهام التي يجند الله لها العلماء الربانيين، بعد أن ختمت الرسالات ببعثة خاتم الرسل والأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام... أما التبديل فتضييع للأمانة، وخيانة للعهد، وافتئات على الله عز وجل. ومن ثم فهو تورط في محرّم، وتعرض للطرد من رحمة الله وغفرانه.

ولكن فما الفرق بينهما؟.. ما الفرق بين تجديد الدين، والتبديل فيه؟

يتبين معنى التجديد جلياً، إن وقفنا وقفة دراية وتدبرّ عند كلمة الدين. من المعلوم أن الدين هو الدينونة، أي الخضوع المطلق للمعبود بالحق، وهو الله عز وجل. ونحن إنما نعني هنا بالدين الدين الحق الذي هو الإسلام. فالدين والدينونة وصف للإنسان والتجديد مسلّط عليه أي على الدين ذاته، لا على مبادئه وأحكامه.. وإنما يتمثل عمل من يبعثهم الله لتجديد الدين، إذن، في حمل الناس على تجديد بيعتهم لله، وعلى العود إلى الانضباط بهديه وأحكامه، بعد طول تفلت وشرود.. وعلى إصلاح ما تصدع من صرحه، وتمتين ما وهى من دعائمه، وسدّ ما تفتح من ثغرات في مفاهيمه، وتخريج أحكام المستجدّات من الحوادث والمصالح والأعراف، على كليات القواعد الفقهية، والمبادئ الأصولية وقواعد تفسير النصوص، دون أيّ عبث بها، ودون أي استجرار لها إلى ما تتطلبه الرغائب والأهواء، وحظوظ النفس ومغانم الدنيا.

وهذا ما يوضح سبب تسلّط التجديد، في نص الحديث، على الدين الذي هو الدينونة كما عرفنا، لا على أمر الدين الذي هو مبادئه وأحكامه، كما يرويه بعض الناس. وهو خطأ في كل من الرواية والدراية معاً... خطأ في الرواية، لأن الروايات كلها جاءت بلفظ ((من يجدد لها دينها)) وهو خطأ في الدراية، لأن تجديد أمر الدين لامعنى له إلا تجديد أحكامه ومبادئه. وهي تظلّ جديدة مهما تقادم عليها العهد، فلامعنى إذن لتجديدها إلا التبديل الذي يحلم به دعاة الحداثة، وهو ما قد نهى وحذّر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولكن فلنعلم أن هذا التجديد الذي أناطه الله بالنخبة الصالحة من علماء هذه الأمة لايمكن أن يستقيم على نهج سويّ يرضي الله عز وجل، وأن يكون مصداقاً للتجديد الذي عناه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا إن كان القائمون به ربانيين في دوافعهم وفي منطلقاتهم، لايقيمون لدنيا الناس كلها وزناً أمام الهدف الأقدس الذي يتمثل في بلوغ مرضاة الله وحده، لاتصدّهم عن التوجه إليه جنود الأهواء والمطامع، مهما تكاثرت وتألّقت وتسربت إليهم من هنا وهناك.. ينهضون بواجبهم القدسي هذا، ولسان حال كل منهم يناجي الله قائلاً: وعجلت إليك رب لترضى.

إذا أكرم الله الأمة بهذه النخبة من العلماء، فلسوف يكون تحديد الدين هو الحصن الذي يقيه من أطماع النيل منه والعبث به، ولسوف يكونون هم المعنيين بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعظم بها من شهادة.

وقد علمنا مما ذكره شراح الحديث أن كلمة ((من)) في قوله عليه الصلاة والسلام: ((من يجدّد لها دينها)) ليست كناية عن شخص واحد تجمعت فيه مزايا الرعاية والتجديد، كما قد ظن البعض، بل هي كناية عن كل العلماء الذين يصطفيهم الله تعالى في كل عصر لحراسة دينه وتجديد الإقبال إليه والإخلاص له.

وإني لأسأل الله ضارعاً أن يبوّئ أعضاء هذا المجلس الإسلامي الأعلى، هذا الشرف، وأن يقيمهم في طليعة المجددين لدينه، ويجعل زادهم المصاحب لهم إلى ذلك وقود الإخلاص لوجه الله، وحنين القلب إلى مرضاة الله، مع اللامبالاة التامة بأعراض هذه الدنيا الفانية.

* * *

هذا باختصار هو التجديد الذي هو جزء من وظائف الدين وأحكامه.

بوسعنا إذن أن نعلم أن ما وراء ذلك مما ينعته كثير من الباحثين والكاتبين في هذا العصر بالتجديد، ليس في الحقيقة إلاّ الاستبدال الذي حذر منه رسول الله وأوضح في الحديث الصحيح الذي ذكرته في صدر هذا البحث، عاقبة المروجين له والعاملين عليه يوم القيامة.

وأكثر الدعوات المهتاجة اليوم في عالمنا العربي والإسلامي، إنما هو إلى الاستبدال به لا إلى تجديده، وإنه غطّي ذلك بكلمات التجديد ونحوه...

والدافع المحرك إلى ذلك إنما هو مزيج من عوامل شتى، منها التبرم بالقديم لأنه قديم، ومنها التطلع إلى التفلت من ضوابط الدين وأحكامه، تحقيقاً لما تهفو إليه النفس من الرغائب والأهواء والتقلب في حمأتها على نحو ما هو جارٍ في المجتمعات الغربية الآسنة... ومنها الاستجابة للملاحقات الخفية التي تتسرب من أقطاب الغزو الفكري في الخارج إلى أقطاب من عملاء لهم في الداخل.. ومن اطلع منكم على التقرير الخفي الذي كتبه (وليم كليفورد) ورفعه إلى الدوائر الغربية لاسيما الأمريكية، المسؤولة عن متابعة حال الإسلام في بلاده، يعلم الكثير مما أشير إليه في هذه العجالة (1).

أما العامل الكلّي الكبير الذي تتفرع عنه هذه العوامل التي أشرت إليها، فهو عامل فكري اعتقادي، يتمثل في أن رجال هذه الدعوة إنما يفهمون الإسلام على أنه مجموعة أنظمة فوقية أنتجتها أدمغة عربية في غابر الأزمان، ثم طال عليها العهد واستنفدت كل ما كان فيها من مبررات عائدة إلى طبيعة ذلك العصر.

والحوار المجدي مع هؤلاء، والحالة هذه، لايتمثل في إقناعهم بأن الإسلام الذي تلك هي صورته وحقيقته في أذهانهم، صالح كما هو لكل عصر، إذ من المستحيل أن تقنع إنساناً بأن نظاماً أبدعه فكر إنسان مثله، يصلح أن يظل ثوباً سابغاً ومناسباً، لسلسلة الأجيال الإنسانية كلها، دون تبديل ولاتغيير.

وإنما الحوار المجدي أن ينبَّهوا إلى أن الإسلام، بمبادئه الاعتقادية وأنظمته السلوكية، إنما هو الرسالة التي شرّف الله بها عباده في هذه الحياة الدنيا، واصطفاها لهم، درايةً بمعرفة حقائق الكون، ومنهاجاً للتعامل مع الحياة، وأن ينبَّهوا إلى أن القرار الذي تلقيناه من القرآن قائلاً: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً} [المائدة: 5/3] ليس كلام بشر من الناس، وإنما هو خطاب الله الموجه وحياً إلى عباده.

فإن أدركوا ذلك واستقرت العقيدة الإيمانية حقيقةً في أذهانهم، فإن مشكلة الاستبدال باسم التجديد، وماتستجره من خداع، وماتستبطنه من قصود مخالفة لظاهر الشعارات والعبارات، تذوب وتزول، ولسوف نتلاقى معهم على منهج واحد، ظاهره وباطنه سواء.

وإن غاب عنهم هذا الإدراك في تلافيف الرغائب والأهواء والعصبيات، فلسوف يبقى السعي منهم دائباً مستمراً إلى تمييع حقائق الإسلام، وتبديد شرائعه، ليتحول تيّاره الفعال إلى رذاذ فضياع!.. وهذا ما كان ولايزال يأمله وليم كليفورد في تقريره الذي أشرت إليه والذي يعتمد فيه على عملاء أمناء له ولبطانته يتحركون فيما بيننا طبق مخططاتهم تحت غطاء الغيرة على تجديد الإسلام وتطويره!..

ولكن أفإن ظل هذا الإدراك غائباً عنهم في تلافيف تلك الرغائب، أفتنقطع مما بيننا وبينهم سبل المناقشة والحوار؟

إن سبل الحوار ستظل ممتدة بيننا وبين الآخرين أياً كانوا. وهذا هو المناخ الإسلامي الذي يتحرك داخله الدعاة الربانيون، إلى الله، في كل زمان ومكان.

إننا نقول لهم: إن إسلامنا الذي عرفناه وحياً منزلاً إلينا من لدن قيوم السماوات والأرض، والذي تتوهمونه مجموعة مواضعات وأنظمة بشرية، قد نبّه الرعيل الأول من المسلمين، من مبادئه وأحكامه، على قانون كان ولايزال نافذاً لا يشذّ ولايلحقه أيّ خلف.. يتلخص هذا القانون في أن من شأن الإسلام أن يبعث على التطور دون أن يتطور هو بحدّ ذاته.. أي فبمقدار ما يكون المسلمون أمناء على مبادئ الإسلام وأحكامه، لايعبثون بها ولايغيرون منها، فإنه يدفع بهم إلى مراقي التقدم والتطور دون توقف.. وبمقدار ما يتلاعبون به ويستبدلون بشرائعه وأحكامه، تنبعث فيهم عوامل التخلف والركود.

إن شأن الإسلام في هذاـ، شأن السيارة التي تحاول أن تنتقل بها إلى بلدة ما، بمقدار ما تكون أميناً على أجهزتها ودخائلها، دقيقاً في المحافظة عليها، تنقلك إلى الجهة التي تريدها وبالسرعة التي تتطلبها.. فإن استبدت بك الرعونة والنظرة السطحية، فاندفعت إلى دخائل السيارة تعبث بها، أملاً في أن تطورها وتتخلص من نظامها العتيق، فإنها - على العكس مما تتوقعه - لابدّ أن تخيّب آمالك وتتركك في مكانك، ومن ثم فلن تقطع بك أرضاً ولن توصلك إلى غاية.

أرايت إلى هذه السيارة، والشرط الذي لابدّ منه، لتنقلك إلى الآفاق التي تريد، كذلكم الإسلام!.. إنه المركبة التي تنقلك بأمر من الله من طور إلى طور أفضل منه، على مستوى كل من الفرد والمجتمع، ولكن بالشرط ذاته، وهو أن يبقى الإسلام على النهج الذي أقامه الديان جل جلاله، عليه. فمن أبى إلاّ التدخل في شرعة الله وأمره، فيما قد صنع وأحكم، فقد أعطب المركبة، وقضى على نفسه، من حيث يدري أو لايدري، بالتخلّف والجمود.

وآية هذا الذي أقول، ما هو معلوم منأن المسلمين تطوروا في عصورهم الخمسة الأولى (وهي العصور التي كان الحكم والفاعلية فيها للإسلام) أكثر مما تطوره المسلمون في عصورهم المتأخرة إلى هذا اليوم، دون أن يحوجهم ذلك إلى أن يطوروا شيئاً من أحكام الإسلام وشرائعه، بل كانت الضمانة التي لابدّ منها لتطورهم النوعي السريع، المحافظة على حقائق الإسلام وشرائعه، دون أي عبث أو استبدال بها.

وإليكم صورة سريعة لهذا التطور النوعي السريع الذي ضرب رقماً قياسياً في حياة ذلك الرعيل، بفضل مركبة الإسلام التي طورت دون أن تتطور.

ففي نطاق الحياة العمرانية والعادات الاجتماعية والأنشطة الاقتصادية ظهرت أنماط كثيرة جداً لم يكن لأصحاب رسول الله من قبلُ أي عهد بها. نذكر منها النماذج التالية: أخذ المسلمون يشيدون الأبنية باللبن والحجارة والجصّ بعد أن كانت تقام بالقصب وخوص النخل، وتدعم باللبن فيما بينها.. وأخذ الأمراء يبنون لأنفسهم قصوراً ذات حمى وأبهاء، لممارسة وظائف الحكم والنظر في مصالح المسلمين فيها.. وراح المهندسون يخططون لإقامة المدن وتشييدها. والكوفة والبصرة أبرز مثالين لذلك، ولم تكن في حياتهم من قبلُ هندسة ولا مهندسون (2).

نشطت الأعمال التجارية، بعد أن كانت التجارة محتقرة عند العرب، إذ كان يمارسها عنهم الأنباط والأعاجم (3).

ظهرت الصناعات بأنواعها المختلفة، وأخذت تنتشر بين الصحابة فمن بعدهم تباعاً، وقد كانت عملاً مهجوراً من العرب من قبل... فلقد أحدث العرب المسلمون الرحا الهوائية بالرياح المجمّعة المترددة في الصناديق أو من خلال الألواح المتعددة. وكان ذلك في خلافة عثمان (4) ومارسوا مهنة الصياغة بل نبغ فيهم من بذّ الصياغ الآخرين من الفرس والرومان. وانتشرت بينهم الفنون التشكيلية بأنواعها وتصوير ما ليس فيه روح.

تطورت صناعات الأطعمة وأساليب استحضارها، فاستعملوا دقيق الحواري، كانوا يجلبونه أولاً، ثم مالبثوا أن أتقنوا صنعه، وبرعوا في صنع أصناف الحلوى.

وفي نطاق المعارف والعلوم ظهرت المدونات واتسع نطاقها وانتشرت تباعاً حسب ظهور الحاجة إليها، وتسابق المسلمون إلى التقاط المعارف من الآخرين وأقبلوا إلى المدونات باللغات الأعجمية الأخرى، يترجمونها إلى العربية، ثم يعكفون على دراسة ما فيها من علوم وثقافات وفلسفات.

تلاحقت سائر هذه التطورات النوعية خلال أقلّ من قرن واحد، من بدء البعثة، في حياة أمة ما كانت تعرف للتطور معنى، وما كانت تتحرك من قاع جمودها وتخلفها، قبل الإسلام.. ثم إن الإسلام دفعها إلى كل هذه التطورات السريعة في سلّم التقدم، دون أن يتطور شيء من مبادئه وأحكامه.

إن بوسعنا جميعاً أن نعلم بأن مجتمعاتنا الإسلامية، في عصورها المتأخرة، لم تتطور صعداً معشار التطور الذي تطوره المسلمون في ذلك القرن الأول من عمر الدولة الإسلامية الفتية!.. وقد كان أولئك المسلمون مثال التقيد بمبادئه وأحكامه دون أي مسّ بها أو تغيير لها، والمسلمون في عصورهم المتأخرة هذه، غدوا مثال التلاعب بها والتبديل لها، بل والتبرم بها أيضاً.

فاعجب لمن ران عليهم الكسل ونال منهم الخمود والجمود، ثم طاب لهم أن يضيفوا إلى خيبتهم هذه الافتئات على الحقائق والوقائع البيّنة، فقالوا: إنها جريرة الإسلام، عاقهم عن التطور، وحبسهم عن اللحاق بركب الآخرين!..

* * *

حقيقة بالغة الأهمية يجب أن لا تغيب عن أفكارنا جميعاً، وعن أفكار المتبرمين بالإسلام تحت غطاء الدعوة إلى التطوير والحداثة، وهي أن سائر الأمم والمجتمعات الأخرى من دون العرب، أنفقوا العرق وبذلوا الجهود، في سبيل الوصول إلى ما ابتغوه من الحضارة والقوة والعلم، من خلال وسائلها المادية المعروفة، فصدقت في حقهم سنة الله الماضية في عباده، والقاضية بأنّ كل من سعى لنيل غاية وتحقيق مطلب، لابدّ أن يجني ثمار سعيه، من فرد أو مجتمع، بقطع النظر عن إيمانه وكفره، ألم يقل عز وجل {كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} [الإسراء: 17/20].

وهكذا فإن الذي يسيل عليه لعاب عشاق الحداثة، من مظاهر القوة والعلم والغنى في المجتمعات الغربية، إنما هو ثمرة عرق بذلوه، وجهود أنفقوها. فكان حقاً لهم أن ينالوا ثمرات أتعابهم.. أما العرب الذين لم يكونوا قد أصبحوا أمة عربية بعد، فقد ظلّوا راقدين في مهاد جهالتهم وفقرهم وتفرقهم، راضين بكل ذلك. لم يبذلوا جهداً في سبيل هذا الذي سلكت المجتمعات الغربية السبيل إليه.

فلما أشرقت عليهم شمس الإسلام، وصدقوا مع الله في اعتناقه والتمسك به والإخلاص له، قفز بهم الإسلام خلال عشرين عاماً إلى قمة العلم بعد الجهل، والقوة بعد الضعف، والغنى بعد الفقر!.. كان ثمن ذلك كله في حياة العرب الإسلام.. وكان ثمنه في حياة المجتمعات الأخرى جهداً بذلوه ودأباً مارسوه.

فإذا تبرمت الأمة العربية اليوم بالإسلام واجتوته، تحت غطاء الدعوة إلى تحديثه وتطويره، فإن السنة الربانية الماضية في الناس دون شذوذ، تقضي بأن تعود هذه الأمة إلى الحالة التي كانت عليها، قبل أن ينتشلها الإسلام من وهدة التخلف والضياع إلى قمة الحضارة والإبداع.. وإن كان لهم آنذاك ماضٍ مشرِّف من جهد بذلوه، فليتلمسوه، وليعودوا إلى تراثهم الذي ينتظرهم منه.

وهذا هو الخطّ البياني الذي ينحدر إليه واقع هذه الأمة اليوم، منسجماً بدقة مع الخط البياني الذي يرسم تراجعها المطرد عن الالتزام السابق والصادق مع الإسلام عقيدة وشرعة وسلوكاً.

وليت أن هذا الواقع الذي تعاني منه أمتنا العربية هذه، يوقظنا إلى هذا القانون الإلهي، الذي أدركه عمر بن الخطاب وتعامل معه من خلال الخير الذي فيه، قائلاً: ((نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما طلبنا العزّ بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله)). ثم جئنا نحن فتعاملنا معه من خلال المغبّة التي فيه.. وليت أنا إذ لم نهتد بهذا الذي قاله عمر واعظاً وناصحاً تعلمناه مما قرره ابن خلدون، واقعاً، بل حقيقة اجتماعية. ألم يعقد في مقدمته فصلاً جعل عنوانه: ((فصل في أن العرب لا يصلح أمرهم إلا انضباط بالدين)).

* * *

وصفوة القول أن رحلة الأمة العربية إلى صعيد التقدم والمجد، إنما تمت بمركبة الإسلام وفاعليته، دون أي وسيلة أو فاعلية أخرى.. وتجديده مطلوب، غير أن تجديده إنما يكون بتحديد الإقبال إليه والإخلاص له والتمسك به، وربط سائر المستجدات التي يأتي بها العرف والزمن بما يشمله من قواعده وأحكامه.

أما العمل على تطويره وتحديثه، فمردّه إلى نتيجة واحدة لا ثاني لها، هي إعطاب هذه المركبة.. وهي الغاية الحقيقية التي يضمرها دعاة التطوير والتحديث، وهذا الـذي يسمونـــه ((القراءة الحديثة)).

ولنعلم أننا نحن العرب، ليست لنا من مركبة، تنقلنا إلى آمالنا في التقدم والوحدة واستعادة الحقوق، بعد مركبة الإسلام. هذا هو خيارنا اليوم، وتلك هي قصة رحلتنا من وهدة التخلف إلى صعيد التقدم بالأمس. وذلك هو القانون الرباني الذي يأخذ به عباده في كل زمان ومكان.

(1) وليم كليفورد كان ممثل هيئة الأمم المتحدة إلى سلسلة مؤتمرات المنظمة العربية للدفاع الاجتماعي ضد الجريمة والمنبثقة عن الجامعة العربية في أواخر السبعينات، حضرها كليفورد مراقباً، ثم رفع تقريراً سرياً إلى هيئة الأمم المتحدة والدوائر المعنية، تحدث فيه عن خطر الإسلام والاحتمالات الكبيرة في عودة فاعليته، وشاء الله أن يقع هذا التقرير في يدي، وقد كتبت دراسة ضافية عنه في كتابي (على طريق العودة إلى الإسلام)..

(2) انظر البداية والنهاية لابن كثير 7/75 وما بعد.

(3) المدخل لابن الحاج: 4/105.

(4) التراتيب الإدارية لعبد الحي الكتاني.

المصدر موقع الدكتور البوطي
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع

Powered by vBulletin® Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Recoded By vBulletin Skins & Website Tools